العلم لا يُفترَض

في كل سنةٍ تمرّ عليّ ملفات يتكرر فيها المشهد نفسه بوجوهٍ مختلفة. رجلٌ يبيع ويشتري منذ عشرين سنة، جاءته حوالة من زبونٍ تعامل معه مرتين، فأدخلها حسابه ومضى في يومه. أو شابٌّ قبِل أن يستقبل مبلغاً لصديقٍ قال له إنّ حسابه متوقف. أو شريكٌ وقّع على تحويلٍ أعدّه شريكه وهو يظنّ أنه من دورة العمل المعتادة.

ثم يأتي الاستدعاء. ويجلس الرجل أمام المحقق، فيُواجَه بجملةٍ واحدة تتكرر في محاضر التحقيق كأنها قالبٌ مطبوع: «كان يجب أن تعرف».

وهي جملة تبدو معقولة. بل إنها تبدو عادلة. لكنها — وهذا هو بيت القصيد — ليست جريمةً في نظامنا.

افتح نظام مكافحة غسل الأموال على مادته الثانية. ستجد أربع صورٍ للجريمة: التحويل والنقل وإجراء العملية، والاكتساب والحيازة والاستخدام، والإخفاء والتمويه، ثم الشروع والاشتراك. وستجد بينها جميعاً خيطاً واحداً لا ينقطع، عبارةً تتكرر في كل صورةٍ كأنها اللازمة في القصيدة: «مع علمه بأنها من متحصلات جريمة».

ولم تكن هذه العبارة سهواً من الصائغ. فالمنظّم السعودي حين كتب هذا النص كان أمامه نصوصٌ مقارنة تُلحق بالعلم صورةً أخرى هي «أو كان ينبغي أن يعلم»، فتجرّم التقصير في التحرّي كما تجرّم العلم. ولم يأخذ بها. اختار العلم وحده، وأغلق الباب.

فالذي «كان ينبغي أن يعلم» رجلٌ مقصّر. والتقصير شيء، والجريمة العمدية شيء آخر. والخلط بينهما ليس تسامحاً في الألفاظ، بل هو — في الحقيقة — استحداثُ جريمةٍ لم يقلها النص.

قد يُقال: فأين ذهب الاشتباه إذاً؟ أليس في النظام ذكرٌ للشبهة والأسباب المعقولة؟

بلى، وهذا هو الموضع الذي يُحسم فيه الأمر. الاشتباه موجود، لكنه موجود في مكانه الصحيح: في التدابير الوقائية لا في التجريم. المادة الخامسة عشرة هي التي تكلّمت عنه، فأوجبت على المؤسسات المالية والأعمال والمهن غير المالية المحددة — ومنهم من يقدّم خدماتٍ قانونية أو محاسبية — أن يبلّغوا فوراً «عند اشتباههم أو إذا توافرت لديهم أسباب معقولة للاشتباه».

فانظر كيف تصرّف المنظّم في لفظه: قال «الاشتباه» حيث أراد أن يُلزم بالإبلاغ، وقال «العلم» حيث أراد أن يُجرّم ويُعاقب. ورجلٌ يكتب نظاماً من واحدٍ وخمسين مادة لا يُغيّر لفظه في موضعين عبثاً. تغايُر اللفظ تغايُرٌ في الحكم.

ويترتب على هذا أمران يُغفلان كثيراً. الأول أن من لم يبلّغ عن عمليةٍ كان عليه أن يشتبه فيها قد أخلّ بواجبٍ وقائي، وله جزاؤه المقرر — لكنه لم يرتكب جريمة المادة الثانية ولا يُعاقب بعقوبتها. والثاني أن هذا الواجب أصلاً موضوعٌ على الفئات الخاضعة المسمّاة، فتحميلُه لتاجرٍ عاديٍّ لم يدخل في تلك الفئات تحميلٌ له بما لم يُكلَّف به.

يبقى النص الذي يُستند إليه أكثر من غيره، وهو الفقرة الثانية من المادة الرابعة: «يُتحقق من القصد أو العلم أو الغرض في ارتكاب جريمة غسل الأموال من خلال الظروف والملابسات الموضوعية والواقعية للقضية».

وهذا النص يُقرأ أحياناً كأنه أعفى من إثبات العلم، أو كأنه استبدل بالعلم ظاهرَ الحال. وليس كذلك.

النص لم يمسّ ما يجب إثباته؛ العلم الفعلي باقٍ كما هو، ركناً لا يقوم البنيان بدونه. وإنما وسّع كيف يُثبَت، فأجاز الاستدلال عليه بالقرائن، لأن العلم أمرٌ في الصدر لا يُنتزع إقراراً إلا نادراً، ولو اشتُرط الإقرار لتعطّل النظام من أول يوم.

والفرق بين القراءتين ليس ترفاً فقهياً. من يقرؤها توسعةً في التجريم يكفيه أن يسوق ظروفاً مريبة فيُدين. ومن يقرؤها على وجهها يلزمه أن يسوق ظروفاً تُنتج العلم — أي قرائن تنتهي بالعقل إلى أن هذا الرجل بعينه كان عالماً، لا قرائن تُثير الظن بأنه كان ينبغي أن يعلم. والقرينة التي تحتمل الوجهين لا يُبنى عليها حكمٌ جزائي، لأن الشبهة تَدرأ، والشكّ يُفسَّر لمصلحة المتهم. هذا أصلٌ في القضاء الجزائي لا يُتنازل عنه لأنّ الجريمة شنيعة.

وليست القرائن سواءً. فمنها ما ينهض بالعلم حقاً: تصرّفٌ لا مسوّغ اقتصادياً له يُفسّره، وتجزئةٌ للمبالغ أو تعدّدٌ للوسائط على نحوٍ يُخفي المسار، ومغالطةٌ في بيانات العملية أو في مصدر المال حين يُسأل عنه، وعائدٌ يأخذه المتهم لا يتناسب مع ما قدّم، وتكرارٌ للصورة نفسها ينفي أن تكون مصادفة. هذه وأمثالها تُفضي بالعقل إلى العلم، ويصح البناء عليها.

ومنها ما لا ينهض به وإن أثار الريبة: كِبَر المبلغ وحده — فالمال الكثير ليس دليلاً على مصدره؛ وجنسية المتعامل أو موطنه؛ وقرابة المتهم لمن ارتُكبت الجريمة الأصلية على يديه — فالقرابة ليست علماً ولا تُورَّث؛ وأنه لم يسأل عن مصدر المال — وقد تقدم أن هذا إخلالٌ بواجب تحرٍّ حيث يجب، لا علمٌ بمتحصلات.

وثمّة قيدٌ أدقّ من هذا كله، وهو أن يكون العلم معاصراً للفعل. فمن علم بعد أن فعل لم يجتمع في حقه الركنان، والركن المعنوي يجب أن يقارن المادي لا أن يلحق به. ومَن أدرك هذا أدرك لماذا يكون توقيت العلم أهمّ أحياناً من العلم نفسه.

ولهذا التحرير ثمنه إن أُهمل. عقوبة المادة السادسة والعشرين سجنٌ من سنتين إلى عشر، أو غرامة لا تزيد على خمسة ملايين ريال، أو هما معاً. وترتفع بالمادة السابعة والعشرين إلى خمس عشرة سنة وسبعة ملايين عند اقتران الجريمة بظرفٍ مشدد — ومن ظروفها مجرد صدور حكمٍ سابق بإدانة الجاني. ومع ذلك المصادرة، والمنع من السفر، ونشر الحكم على نفقة المحكوم عليه.

فالمسافة بين «اشتبهنا فيه» و«ثبت علمه» ليست مسافةً في اللفظ. هي المسافة التي تفصل بين رجلٍ يعود إلى بيته ورجلٍ يقضي سنواتٍ من عمره.

ونحن في مكتب ممدوح الحميضي للمحاماة والاستشارات القانونية نرى أن الخلل الغالب في هذا الباب ليس في النص بل في قراءته. فالنظام فرّق بين الاشتباه والعلم في موضعين مختلفين تفريقاً واضحاً، وإنما يقع الاضطراب حين تُنقل لغة التدابير الوقائية إلى ساحة التجريم فتُستعمل حيث لا تصلح.

ونرى أن أول ما ينبغي تحريره في كل ملفٍ من هذا النوع سؤالان لا ثالث لهما: ما الواقعة التي يُدّعى أن المتهم علم بها على وجه التحديد؟ ومتى علم بها — قبل الفعل أم بعده؟ فإن لم تُجب لائحة الاتهام عنهما جواباً محدداً، فهي لم تحرّر الركن المعنوي، وما بُني على غير محرَّر لا يقوم.

ونرى أن مقتضى تسبيب الأحكام أن تُعيَّن القرائن التي استُنتج منها العلم بأعيانها، ويُبيَّن وجه دلالة كلٍّ منها، لا أن يُكتفى بإحالةٍ مجملة إلى «ظروف القضية وملابساتها». فالإحالة المجملة تُخفي ما ينبغي أن يظهر، وتحول بين المحكوم عليه وبين أن يناقش ما أُدين به.

ونرى — وهذا ما نودّ أن يُفهم عنا على وجهه — أن مكافحة غسل الأموال مصلحةٌ وطنية عليا، وأن تنقية السوق من الأموال القذرة واجبٌ لا يُساوَم عليه ولا يُتحايل على أحكامه. وليس في تحرير الركن المعنوي إضعافٌ لهذه الحماية، بل هو صيانتها من أن تُصرف عن أهلها. فالنظام إنما وُضع ليلاحق من علم فأخفى، لا من جهل فتعامل. وكلّ بريءٍ يُدان في هذا الباب خسارةٌ مزدوجة: خسارةٌ له في حريته، وخسارةٌ للنظام في هيبته.

خلاصة الأمر أن جريمة غسل الأموال في نظامنا جريمة عمدية قوامها العلم الفعلي، أجاز المنظّم إثباته بالقرائن ولم يُجز افتراضه. ومن قرأ المادة الرابعة على أنها أعفت من إثبات العلم فقد حوّل قاعدةَ إثباتٍ إلى صورةِ تجريم، وهذا ما لا يحتمله النص ولا تقبله أصول التفسير الجزائي.

والقضاء لا يُبنى على ما كان ينبغي أن يكون، بل على ما ثبت أنه كان.


مكتب ممدوح الحميضي للمحاماة والاستشارات القانونية

هل تبحث عن فحص قانوني دقيق لعقودك أو استشارتك القادمة؟

نحرص على أن يعكس كل عقد نصوغه أو نراجعه فهمًا تجاريًا وتنظيميًا حقيقيًا, لا مجرد صياغة قانونية شكلية.

المدونة القانونية

مقالات قانونية متخصصة

تعرف على أفضل المقالات القانونية والنصائح في مختلف الخدمات القانونية